تجربتي خلال المنتدى الشبابي لخلق قنوات تواصل بين الشباب والحكومات.

دعيت للإنضمام إلى المنتدى الشبابي بعنوان “قنوات إتصال مبتكرة بين الشباب والسلطات المحلية” من قبل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضمن مشروع “نحو مصالحة وطنية في ليبيا”

في البداية لم أدرك فعليا كيفية خلق قنوات تواصل في حين أني قوبلت بالرفض بحجج واهية في إحدى المؤسسات الحكومية التعليمية عند تقديمي مبادرة تعليمية تهيئ الشباب لسوق العمل والبحث عن منح دراسية. فحتى لحظة وصولي لتونس وكلي تساؤلات عن ماهية تلك القنوات التي تجنبنا الرفض والمماطلة والتسويف من قبل الحكومات. بالتأكيد كل أحد منكم يستذكر موقف مشابه عرضت فيه مبادرته للرفض بأشكاله العديدة لتجد انه سبق معظمنا أن مررنا بمثل تلك التجارب من خلال طبيعة عملنا.

بدأت الرحلة في شهر سبتمبر حيث رشحت من قبل أ.ماهر الشاعري للمشاركة عن طبرق ومقابلتي هاتفيا عن طريق أ.فارس الليبيدي وتم إختياري للحضور وحضرت النسخة الثانية للمنتدى فعلا في نهاية شهر أكتوبر.

في اليوم التالي من وصولي تونس, حيث يقام المنتدى, بدأت فعاليات اليوم الأول, بقاعة متوسطة الحجم, تجمع شباب من عدة مناطق على مستوى ليبيا بحضور قوي جدا ومكثف من المنطقة الجنوبية, عرّف الجميع عن نفسه في البداية, وسمعت لأول مرة عن مناطق في الجنوب الليبي! منهم من حضر باللباس التقليدي الخاص بهم بالتالي كان التنوع الثقافي يسود الغرفة, المدربين على رأسهم أ.إيناس سينيور افتتحت محاضرتها عن التفكير التصميمي, وبدأت تتجمع لدي جزيئات من الصورة المفقودة.

توقعاتي كانت بأنه سوف يتم سرد قنوات تواصل “غالبا موجودة” فحسب, لكن ما قدم لنا كان عن قدرة العقل البشري في الابتكار, في التعاطف مع المشاكل بحق, لتتجرد أمامك الحلول التي كنت لا تراها, بل كانت أمامك طوال الوقت. تعلمنا من خلال الثلاث أيام التي احتوت المنتدى التفكير التصميمي; كيفية التحليل الجيد للمشاكل وتأطيرها, -ليس فقط الاكتفاء بوجهة نظر واحدة غالبا ما تكون غير صحيحة, ووضع اللوم على عاتق الأشخاص الخطأ- التجربة الأولى وحدها لا تكفي, بل عليك المحاولة والخطأ والملاحظة إلى ان تصل إلى الإلهام حيث كانت تلك هي الحلقة المفقودة “التعاطف” لتجد محور التركيز فتتولد الأفكار وتتجمع الحلول.

غالبا ما نلاحظ الفراغ, الخلل, أو المشكلة ما بين المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية ونكتفي فقط بالإشارة إليها من بعيد, لكن لم يسبق أن وضع أحدهم إبهامه تماما عند هذا الوسيط.

بدأنا من التعريف بالمشكلة والاعتراف بوجودها, لننتقل إلى تحليلها مرة تلو الأخرى إلى أن نخرج بأسبابها وحلولها, كان الفراغ الحاصل له أسباب عديدة عددناها طوال أيام المنتدى, كغياب عامل الثقة بين الشباب والحكومات, نقص المبادرات المقدمة, نقص القيادات الشبابية, نقص المقدرة على الحوار والتواصل الفعال, إختلاف الثقافات بين الشباب والحكومة, القبلية, والوساطة. لنجد هذا المزيج من المؤثرات الإجتماعية حاضرة وبقوة والتي تعيق الشباب نحو إنجازهم وتضع الكفاءة في الكفة الخاسرة. كلها تتشابك في مرمى واحد, غياب التواصل بين الشباب والحكومات.

من خلال عملي على موضع اختلاف الثقافة والرؤى بين الشباب والحكومة بالمنتدى وبعد تحليل وتحديد المشكلة الأولية كنا نضع اللوم –بحكم نظرتنا المحدودة فالبداية- على شيوخ القبائل وصناع القرار, متناسيين تماما أننا شركاء في تلك العملية, ولنا مصالحنا المشتركة في صناعة السلام, وما علينا فعلا عمله هو تقريب وجهات النظر بين الشباب وصناع القرار وهذا ما ألهمنا إياه د. روحي أفغاني مدير مشروع “نحو مصالحة وطنية في ليبيا” عن ما يمكن أن تتكون منه المصالحة و ما هي, أين نضع المصالح والاحتياجات والمواقف في خلال تواصلنا مع الحكومات, كيف تكوّن الرحمة والسلام والعدالة والحقيقة مزيجا متوازنا واحد ولا ينفصل أي عنصر منهما عن الآخر.

“عندما الجميع يعمل بالعمل المؤسساتي المنظم حينها تبدأ النتائج بالطوف على السطح, إنما بفعل ذلك لوحدك, فلن تستطيع” الخبير المستشار محمد خليل

على الجميع القيام بعمله الخاص به الذي ينصب تلقائيا في تلك المصلحة المشتركة بين المؤسسات وهذا ما تطرق إليه في خلال فعاليات المنتدى د. محمد خليل. نجد الآلاف من مؤسسات المجتمع المدني بينما بإمكاننا فقط تعداد القليل ممن هم حقا يعملون وفق المعايير, وهذا طبيعي لكون التجربة لا تزال حديثة الولادة بالنسبة للمجتمع الليبي.

الشباب حاليا يمثل 51% من إجمالي التعداد السكاني حسب الإحصائيات أي هناك 1.8 مليار شخص تتراوح أعمارهم بين 10 و24 سنة، وهو أكبر جيل من الشباب في التاريخ.*¹ إتحادات الطلبة بالجامعات تستهدف الشباب أيضا ولكنها غير فعالة تقريبا في بعض الجامعات الليبية أو ذات تأثير محدود, لماذا لا نلتمس تأثير مؤسسة مجتمع مدني قوية كهذه بإمكانها صناعة قادة في المجتمع؟ بحسب البحوث التي أجريناها لتجارب سابقة في دول شقيقة, انبثقت من تلك الإتحادات منظمات شبابية تستهدف فئات مختلفة من الشباب مع وجود نظام مؤسساتي يدعمها.*²

في اليوم الأخير أقمنا مقابلات تدعم نطاق عملنا ومن خلال ذلك استنتجنا حلولا عرضت على لجنة من الخبراء بالمنتدى.

كيف يصبح الشباب موضع صنع قرار؟ ويتحول –بالمصالحة- السلام المؤقت إلى سلام دائم. تجربتي بالمنتدى قد أزالت عصابة العينين فعليا, كانت ثلاث أيام مكثفة من التفكير التصميمي والتجارب السابقة والتحليلات ودور المصالحة ومزيج رائع من الآراء والأفكار وشبكة مذهلة من العلاقات العامة, ترى بها الأمور فالنهاية من منظور مختلف تماما عن السابق.

ولدت من بين العديد من المبادرات التي عرضت, مشروع تمدام (وتعني بالجميع) للتعليم ومحو الأمية, كان من بين المبادرات التي حظيت باهتمامه الشديد لشباب قاموا بتعليم الصغار والكبار بمنطقة تدرارت جنوب غات, بأقل ما يمكن تصوره من الإمكانيات. هذه البقعة الجغرافية التي سبقتها الحياة –وليست الوحيدة- خلفت أجيالا لا تعرف الكتابة والقراءة, بسبب تجاهل السلطات على مدى العقود بأن توفر  لهم أهم مقومات الحياة; التعليم.

مشروع تمدام بدأ العمل فعليا فور عودتنا إلى ليبيا, بأمل أن يحظى هؤلاء الأطفال بتعليم جيد, بحقهم الأساسي الطبيعي, وأطلقنا على مواقع التواصل الإجتماعي هاشتاق #من_حق_اطفال_تدرارت__التعليم

تلك المنطقة الصحراوية الغنية أثريا حيث أكتشف أقدم مومياء في العالم, لا يوجد بها تعليم. ومن تدرارت تنطلق المبادرة إلى كل المناطق المنسية مثلها لمحو الأمية في ليبيا.

كتابة آية مفتاح 22, ناشطة بالمجتمع المدني وعضو مؤسس لمشروع إحتواء

________

المصادر:

1: الشباب والتنمية المستدامة https://www.un.org/sustainabledevelopment/ar/youth/

2: دور الشباب في عملية التغيير المجتمعي http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=3202

Share your thoughts