أطفال غسان كنفاني

في يوم مشمس وتحت سماء القاهرة، اتجهت نحو سور الأزبكية في العتبة، ولمن لا يعرف سور الأزبكية هو منطقة شعبية “شبيهة بسوق الجريد في بنغازي”، غالبا ما تكون مزدحمة بالكادحين، تتمثل في أكشاك صغيرة، طاولات قديمة، بعض الباعة اللطفاء الذين قد تجدهم يقرؤون أو يراقبون الناس المنهمكين، مع كوب شاي لا يفارقهم، والكثير من الكتب.

عندما أقول الكثير من الكتب فأنا أقصد وجود أكداسها في كل ركن، في كل زاوية قد تصلها عيناك، مستعملة جديدة أو مهترئة.

خلال بحثي عن كتاب لا أذكره وجدت هذه المجموعة القصصية الصغيرة، وأصر البائع -الذي لا يزال من ضمن أسباب سعادتي إلى اليوم- على أن آخذها كهدية قائلا “أنتِ ضيفة عندنا” عندئذ عرفت أنها ستحمل قيمة معنوية كبيرة بالنسبة لي.

من القاهرة إلى فلسطين، أطفال غسان كنفاني -كما يوضح الاسم- مجموعة قصصية تروي معاناة أهل المخيمات الفلسطينية بعيون أطفال كبروا قبل أوانهم، تتمثل في ست قصص، وكل قصة يسبقها رسم بسيط جميل للفنان التشكيلي السوري برهان الدين كركوتلي.

وُلد غسان سنة ١٩٣٦م في عكّا شمال فلسطين و عاش في مدينة يافا، ثم انتقلت أسرته مع جموع النازحين إلى لبنان، ثم سوريا حيث استأنف دراسته، عمل في الكويت كمدرس تربية فنية و استقر أخيرا في لبنان.

عاش غسان -رغم سرعة رحيله- حياة حافلة و خلّف ورائه أعمالاً كثيرة من روايات و مقالات، منها التي لم تكتمل، و محبين كثر، منهم من -في ساعتها- كحالتي أنا لم يولد بعد، ما جعلني أفكر أن طول أو قصر حياة المرء لا يهم، ما يهم هو الأثر.

لأن الحب هو أسمى المشاعر على الإطلاق، والخطابات التي نمررها بيننا باسمه، قادرة عن التعبير عما يجول في ذهننا و ما تعجز كلماتنا المنطوقة عن قوله، و لأن الأطفال هم الأمل، كتب غسان هذه الرسالة الصغيرة لإبنة شقيقته لميس في عيد ميلادها الثامن:

“عندما أعطيك أملي، عندما أجعله وقفا عليك، فمعنى ذلك أنني أعطيك حياتي نفسها، يا حياتي نفسها، و معنى ذلك أنني أعطيك نفسي، يا نفسي، و لا أعتقد أن هنالك أغلى من نفس الانسان على نفسه، كي يقدمه إلى من يحب و يأمل

أيتها العزيزة

أنتِ تصعدين الآن، فيما نحن بدأنا نهبط، لقد أوشك دورنا أن يتمّ.. كان دور هذا الجيل أقصر دور أي جيل مرّ في التاريخ، إننا نعيش لحظات حاسمة في تاريخ البشر، و هنالك الناس ينقسمون إلى معتركٍ و مُتفرِّج…

أما المتفرج فلسوف يعيش جيله كله، و يمتصه حتى آخره، أما المعترِك، فسرعان ما سوف يسقط، فالمعركة قاسية، و قدرته الانسانية لن تحتمل كثيراً و لقد اخترتُ أنا، أيتها الصغيرة، ألا أكون متفرجا، و هذا يعني أنني اخترت أن أعيش اللحظات الحاسمة من تاريخنا مهما كانت قصيرة.. و في اللحظة التي سيتم فيها الاستقرار سوف لن نكون نحن ذوي نفع على الإطلاق، و لسوف يتولى القيادة جيل جديد، أما نحن، فلسوف نتنحى جانبا

هؤلاء “الآخرين” ، يا صغيرتي، هم أنتم… لسوف ندفع لكم من قلقنا ثمن اطمئنانكم، و لسوف تستقرون على حساب ثورتنا… إن مشيئة التاريخ أن نكون نحن، و نحن فقط جيل الانقلاب”.

لم يعلم غسان أن هنالك من زرع عبوة ناسفة في سيارته، لأنه على الأقل لم يكن ليسمح لصغيرته لميس بأن تركب معه.

استشهد كل من غسان كنفاني وابنة شقيقته لميس نجم سنة ١٩٧٢م.

حارب غسان بطريقته، حاملا قلمه في يده، و إيمانه في قلبه.

سأختتم باقتباس أحبه:

“أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”. – عمر المختار

إلى روح غسان، شهيد الكلمة، و كل الأبطال الذين لم يسمع بهم أحد، كل الحب.

كتابة تماضر المهدي 

 

Share your thoughts