ثوّار الكيبورد

حين يأتي الأمر للحديث عن أثر السوشال ميديا على الواقع فإننا غالباً ما نتحدث بسوداوية حول كون حضورنا الإلكتروني لا معنى له ومحض “ضرب كيبورد” لا يسمن ولا يغني من جوع. أو أنه يسبب لنا الإدمان ويشغلنا عن “العالم الحقيقي” الذي ليس له أي انعكاس فعلي داخل هذه المواقع. رغم ذلك فإننا نمضي الكثير من أوقاتنا داخل هذه العوالم التي نسميها افتراضية، وتؤثر بشكل ما على تواصلنا مع الآخرين، تنوع علاقاتنا، توسيع معارفنا وطريقة تفكيرنا. فكم مرة دخلت معلومة جديدة إلى عقولنا من خلال السوشال ميديا؟ وكم مرة تعرفنا على صديق جيد؟ وكم مرة طورنا من آراءنا من خلال متابعتنا لآراء الآخرين؟ إذاً بإمكان استخدامنا للسوشال ميديا أن يكون تجربة “حقيقية” تملك انعكاس على أرض الواقع، وفي ذات الوقت، أن تكون مرآة لهذا الواقع لا افتراض تخيلي له.

قوة السوشال ميديا: الحملات وخطاب الكراهية

تبدو مواقع السوشال ميديا وخاصة فيسبوك وتويتر أدوات فاعلة في التغيير أحياناً حين تتكاثف الأصوات معاً في الحديث عن موضوع بتركيز أكبر، وهذا ما يحدث حين يأتي الأمر لحملات الإغاثة وتجميع التبرعات المالية للمرضى والمحتاجين، أو حملات التوعية مثل التوعية بسرطان الثدي. وتجد عدد من هذه الحملات نجاحاً نسبياً يعتمد على المجهود المبذول والتنوع في المحتوى والدعم من الحسابات والصفحات ذات الشعبية. على الجانب الآخر قد تتكاثف أصوات في التحريض على العنف ضد مجموعات معينة، الاستهزاء بشخصيات عامة أو سياسية، التمييز وفقاً للنوع الاجتماعي والعرق واللون والمعتقد، تشويه السمعة، نشر الشائعات، التنمر، التحرش وكل أنواع المحتوى التي بالإمكان تسميتها “خطاب كراهية”. وللأسف فإن هذه الأصوات أيضاً تجد نجاح قد ينعكس على الواقع ويصل للإعلام الغير مهني والسلطات الأمنية، مما يؤذي بعض الأشخاص معنوياً وجسدياً، وذلك دون بذل مجهود كبير فقد يكفي استخدام كلمات معينة أحياناً لترك أذى نفسي عميق على البعض، أو تلقي بالبعض الآخر رهن الاعتقال التعسفي، أو تضعهم في موقع تهديد من السلطة الاجتماعية (الأهل، الأقارب، القبيلة).

مقارنة: حملة إيجابية وأخرى سلبية…كلاهما ناجح!

لاحظت مؤخراً ازدياد تشكل هذه الكتلة من مستخدمي فيسبوك وتويتر الليبيين لتكوّن أصوات منادية بالخير والإنسانية تارةً، وأصوات مناصرة للعنف وقامعة للحريات تارةً أخرى، مما يشكّل تناقض في توجهات ما يسميه البعض “الرأي العام الليبي” الذي عادة ما تتوضح ملامح حركته من خلال مواقع السوشال ميديا أو تصدر من داخلها. وحين نقارن بين حملات جمع التبرعات والإغاثة وحملات التحريض على العنف، نجد أنها تتخذ ملامح مختلفة نوعاً ما. وبالإمكان أخذ نوعين من هذه الحملات الناجحة مؤخراً والمقارنة بينهما. وهما حملة الدعوة للإغاثة الطبية للنساء الحوامل بمستشفى غات، وحملة التحريض على العنف تجاه منضمي وضيوف حدث كوميك كون بطرابلس.

أوجه المقارنة

table111111

أنت تختار

بإمكاننا حين النظر إلى الجدول السابق حيث المقارنة بين الحملتين أن نرى مدى سرعة استجابة الجهات المسلحة باعتقال الشباب المنظمين لحدث كوميك كون لحركة الرأي العام المنطلقة عادة من الفيسبوك، وأن أصحابها في العادة صفحات عامة بإدارات مجهولة الهوية، تقوم بأعمال تسويقية ربحية أو غير ربحية ويخدمها أسلوب نشر الشائعات والأخبار المثيرة للحصول على جمهور واسع. بينما في المقابل نرى أن حملة الإغاثة تضمنت إنتاج محتوى متنوع بمبادرات من عدة شباب ومنظمات شبابية، مثل تصاميم وأعمال فنية باسم الحملة، تغريدات باللغتين العربية والإنجليزية، منشورات فيسبوك بصياغة تفصيلية لنشر الخبر، مدونة صوتية تم إعدادها من قِبل مشروع سلفيوم. وبالتأكيد وصل صدى الحملة في أيام قليلة إلى أصحاب القرار في ليبيا، وقام وزارة الصحة بالتشكيك في خبر الوضع الصحي المهدد للنساء الحوامل في غات. وصلت الحملة إلى هدفها الأساسي بحصول مستشفى غات على إغاثة طبية من المنظمات العالمية بعد مرور أكثر من شهر على بدء الحملة حين وصلت معونات طبية من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.
تؤكد هذه الأحداث أن مواقع السوشال ميديا بإمكانها أن تكون وسيلة لجلب المعونة للآخرين كما بإمكانها أن تكون وسيلة لجلب الأذى والخطر، وكل كلمة تقال في تعليقاتنا ومناشيرنا تصنع محتوى إلكتروني يجد غالباً طريقه إلى الإعلام ومن ثم السلطات وأصحاب الشأن حين تتكاثف الكلمات في تيار واحد. هذا ما يجعل السوشال ميديا سلاح ذو حدين، بالإمكان لأحدنا من خلالها أن يدافع عن القضايا والمبادئ الأخلاقية أو أن يستخدمها كوسيلة لنشر العنف بالمجتمع. كل ما علينا فعله هو أن نختار بين نشر السلام ونشر العنف، ما يفصلنا عن الاختيار هو زر واحد يبدأ حرفاً في كلمة كراهية أو تضامن، وما يلحقها هو شخص يعذب في المعتقلات الغير إنسانية، أو شخص يتلقى معونة إنسانية. أما إن كنا نرى تفاعلنا الإلكتروني محايداً وغير ذي جدوى أو تأثير على الواقع، فلنتذكر مقولة دانتي أليغييري: “أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في أوقات الأزمات الأخلاقية.”

كتابة: ريما إبراهيم

Share your thoughts