Arabic
كيف يتحول حفل للتوعية بالتغير المناخي إلى حملة عنف في ليبيا؟
March 30, 2017
0
 صورة من تصوير عبدالله دوما

صورة من تصوير عبدالله دوما

كتابة ريما إبراهيم حميدان

أقيم حفل موسيقى لفرق شبابية ليبية في بنغازي يوم الخامس و العشرين من مارس في جامعة العرب الطبية بتنظيم من طلاب جامعيين كجزء من مشاركة مدينة بنغازي في الحدث العالمي السنوي “ساعة الأرض” و الذي تشارك فيه سنوياً ما يقارب 7 آلاف مدينة و قرية عالمياً، و هو جزء من حملة توعية عالمية يشرف عليها الصندوق العالمي للطبيعة، تتمثل بشكل عام بتقليص استخدام الكهرباء إلى الحد الأدنى لمدة ساعة تشمل دعوة لجميع الأفراد و المؤسسات الحكومية و غير الحكومية و المنظمات و الشركات و المباني ذات القيمة الرمزية لعدد كبير من المدن و ذلك لرفع الوعي و لإثارة الانتباه العام بضرورة ترشيد الاستهلاك للكهرباء و الماء لكوننا نعيش اليوم في واقع مليء بتحديات إنتاج الطاقة و توفير مصادر المياه المستدام بحيث تكون مواكبة للتأثيرات التغيرات المناخية بالعالم المرتبطة بشكل كبير بزيادة نسب الغازات الدفيئة بالغلاف الجوي المكونة لظاهرة الاحتباس الحراري للكرة الأرضية.

تعتبر ليبيا من الدول المتأثرة بتهديدات التغير المناخي بشكل أساسي من ناحية وفرة الموارد المائية، حيث أن زيادة أيام الجفاف بالبلاد و ارتفاع درجات الحرارة صيفاً بالإضافة لضعف معدلات هطول الأمطار خلال السنوات الخمسين الأخيرة مع زيادة التعداد السكاني يؤدي لارتفاع الطلب على المياه في الاستعمالات الحضرية و الري الزراعي و بالتالي يتطلب توفير مصادر مياه قادرة على سد هذه الاحتياجات المتزايدة سواء الحالية أو المستقبلية.

، يتم انتقاد اعتماد ليبيا بشكل أساسي من ناحية سياسات الموارد المائية المستدامة في احتياجاتها المائية على مشروع النهر الصناعي الذي يستنزف المياه بالأحواض الجوفية بالصحراء الليبية التي تقع بطبيعة الحال بمنطقة قليلة التغذية بمياه الأمطار مما يجعل خواصها كمصدر متجدد و مستدام ضعيفة.

بالإمكان ملاحظة أن السياسات الليبية لمواجهة تأثيرات التغير المناخي قبل ثورات الربيع العربي عام 2011 تلخصت في التوقيعات على المعاهدات العالمية ضمن الحراك الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة و من أهمها اتفاقية كيوتو و اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي UNFCCC التي تلزم دول العالم على وضع استراتيجيات وطنية لمكافحة التغير المناخي العالمي و التعامل مع تأثيراته المحلية. لم تشمل هذه السياسات تنفيذ خطط و مشاريع للحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون خاصة كون ليبيا تعتمد في إنتاج الطاقة بشكل أساسي على النفط، حيث لم تشكل خطط وطنية فعالة من أجل تقليل الاعتماد على النفط و التحول نحو استخدام وسائل إنتاج الطاقة المتجددة.

الصراع السياسي و النزاعات المسلحة التي انتشرت بليبيا منذ عام 2011 أثرت بشكل كبير على زيادة التهديدات للأمن المائي، خاصة مع تعرض العديد من المنشآت المائية لاعتداءات مسلحة أدت إلى انقطاع المياه بين حين و آخر على مدن الساحل الليبي التي تعتمد بشكل كبير في احتياجاتها المائية على المياه المنقولة إليها من خلال منظومات نقل مياه من أحواض جنوبية تمر بمناطق نزاع مسلح أو بالقرب من تجمعات لمليشيات مسلحة مدعومة من أطراف لها أهداف سياسية. قضية التغير المناخي و تأثيراته على الموارد المائية تبدو لأصحاب القرار أنها تحمل صبغة سياسية ضعيفة بحيث يصعب وضعها ضمن أولويات العمل السياسي الليبي نحو الاستقرار، غير أن انعدام الاستقرار السياسي يجعل ليبيا مهددة بالمزيد من الهشاشة من حيث القابلية للتأثر بالتغير المناخي، و يؤدي إلى تفاقم التحديات المتعلقة بمصادر المياه التي تحتاج إلى خطط إدارة مستدامة عاجلة.

النزاع المسلح و الصراع على السلطة و العنف السياسي الحاصل بليبيا اليوم يمثل حجرة عثرة أمام أي مشاريع تنمية للبلاد، و استمرار تجاهل وجود تحديات مناخية حالية أو مستقبلية قريبة و زيادة تهديد البنية التحتية المائية و عدم ربطه بالنزاعات الدائرة يؤدي إلى ارتفاع مستمر للتهديدات على الأمن المائي و كذلك الغذائي بالبلاد، حيث أنه يتم اعتبار وجود هذه التحديات البيئية و الإنسانية مفتاح لتشجيع التعاون بين الفصائل المتنازعة للوصول إلى الاستقرار السياسي و بناء وحدة وطنية لمواجهة هذه التحديات الخطيرة و وضع الخطط المستدامة لضمان الوفرة المائية المطلوبة لجودة الحياة بالبلاد.

غياب هذه التحديات عن أصحاب القرار و السياسيين الليبيين لا يعني غيابها عن المجتمع الليبي، حيث توجد عدة منظمات شبابية اليوم مهتمة بقضية التغير المناخي و آثارها، و تعمل بشكل مستمر على التوعية بأهمية هذه القضية في نطاق مجتمعي ضيق و بشكل بعيد عن أصحاب القرار اليوم. إقامة حفل موسيقى علني للتوعية بالتغير المناخي داخل جامعة العرب الطبية بمنطقة عانت في السنوات الأخيرة نزاعات مسلحة عنيفة أدت إلى العديد من الخسائر الإنسانية كمدينة بنغازي هو رسالة قوية لأصحاب القرار بضرورة الانتباه الى هذه القضية و التعرف عليها و وضعها ضمن اولوياتهم السياسية الحالية و كذلك ضمن استراتيجيات الخطط الوطنية.

لكن رد فعل السلطة الحاكمة ببنغازي و كذلك المجتمع الليبي لهذا الحفل كان يملك ملامح عنف و كراهية و تجاهل للهدف الأساسي من الحفل و هو المشاركة المدنية في حدث عالمي للتوعية بآثار التغير المناخي و تقليل الاعتماد على استهلاك الطاقة غير المتجددة من خلال إطفاء الأنوار و الاعتماد على ضوء الشموع لمدة ساعة. تعرض الشباب المشاركون في الحفل لحملة تشويه و اتهامات سياسية و تكفيرية و أخلاقية تعارض إقامة الحفل و تستنكر ملامحه أدت إلى إحالة الطلاب المنظمين للحفل إلى التحقيق بالنيابة العسكرية بمدينة بنغازي بتهمة تنظيم حفل دون أخذ إذن من الجهات الأمنية و الحاكم العسكري، كما تم اعتقال الصحفي و المصور عبد الله دومة على خلفية تصويره للحفل من قبل عناصر البحث الجنائي.

و قامت الحكومة ببنغازي بنشر بيان من خلال الهيئة العامة للأوقاف و الشؤون الإسلامية يستنكر إقامة حفل “ساعة الأرض” و يتهم المشاركين بالحفل بالفساد الأخلاقي و الانتماء لأحزاب علمانية تسعى لنشر فكر إلحادي و التفرقة بين الناس داخل المجتمع و يصف الحفل بأنه أحد الطقوس الماسونية و طقوس عبادة الشيطان و يرفض حضور النساء بحفل مسائي حتى مع حضورهم مع عائلاتهم.

أدى هذا البيان إلى انتشار حملة من العنف و الكراهية تنشر الاتهامات و الاعتداءات اللفظية للمنظمين و المشاركين بالحفل و حتى للكتاب الصحفيين الذي كتبوا حول الحدث داخل مواقع التواصل الاجتماعي بحيث غاب عن الكثيرين الهدف الأساسي من إقامة الحفل بعد أن تم تشويهه و تجريمه من قبل السلطات الحاكمة ببنغازي.

يشير هذا الحدث الذي أثار جدلاً واسعاً داخل المجتمع الليبي لمدة أيام إلى أن عملية بناء السلام و تحقيق الاستقرار السياسي تتطلب أيضاً حملات موازية ضد انتشار ثقافة الكراهية و العنف التي تكاثفت داخل المجتمع الليبي ابتداءً من عام 2011 للمساعدة على وضع خطط فعالة لمواجهة التحديات البيئية للواقع الليبي المؤثرة بشكل كبير على وفرة المياه و الأمن الغذائي و الصحة العامة، إن أي خطوة نحو مواجهة التغير المناخي و تحديات مصادر المياه في ليبيا لن تتحقق طالما تجاهل السياسيون في ليبيا اليوم أهميتها و ارتباطها الكبير بعملية بناء السلام سواء كونها تدعم و تشجع الأطراف المتنازعة على التركيز لوجود أهداف عامة مشتركة يطمح إليها الليبيون يقف التخبط السياسي اليوم أمام تحقيقها و أيضا لكونها تحتاج لوجود الوعي العام بها و الاستقرار الأمني للبدء في تخطيط و تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية اللازمة للتعامل مع هذه التحديات.

Leave a Reply